فخر الدين الرازي
606
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أتطيعه لأن كان ذا مال . وروى الزهري « 1 » عن نافع : إن كان بالكسر ، والشرط للمخاطب ، أي لا تطع كل حلاف شارطا يساره ، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى ، ونظير صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ [ طه : 44 ] . واعلم أنه تعالى لما حكى عنه قبائح أفعاله وأقواله قال متوعدا له : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 16 ] سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : الوسم أثر الكية وما يشبهها ، يقال : وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها إما كية ، وإما قطع في أذنه علامة له . المسألة الثانية : قال المبرد : الخرطوم هاهنا الأنف ، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به ، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة ، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافا ، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر ، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر . المسألة الثالثة : الوجه أكرم موضع في الجسد ، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية ، واشتقوا منه الأنفة ، وقالوا : الأنف في الأنف وحمى أنفه ، وفلان شامخ العرنين ، وقالوا في الذليل : جدع أنفه ، ورغم أنفه ، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين ، فكيف على أكرم موضع من الوجه . المسألة الرابعة : منهم من قال : هذا الوسم يحصل في الآخرة ، ومنهم من قال : يحصل في الدنيا ، أما على القول الأول : ففيه وجوه أولها : وهو قول مقاتل وأبي العالية واختيار الفراء : أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول النار ، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض وثانيها : أن اللَّه تعالى سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل القيامة ، إنه كان غاليا في عداوة الرسول ، وفي إنكار الدين الحق وثالثها : أن في الآية احتمالا آخر عندي ، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ في عداوة الرسول وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنفه والحمية ، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحمية ، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ، وأما على القول الثاني : وهو أن هذا الوسم إنما يحصل في الدنيا ففيه وجوه : أحدها : قال : ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفسه ما عاش . وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال وثانيها : أن معنى هذا الوسم أنه يصير مشهورا بالذكر الرديء والوصف القبيح في العالم ، والمعنى سنلحق به شيئا لا يفارقه ونبين أمره بيانا واضحا حتى لا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم ، تقول العرب للرجل الذي تسبه في مسبة قبيحة باقية فاحشة : قد وسمه ميسم سوء ، والمراد أنه ألصق به عارا لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا تزول البتة ، قال جرير :
--> ( 1 ) في الكشاف للزمخشري ( الزبيري ) 4 / 143 ط . دار الفكر .